سراج الأمل
يونيو 30th, 2009 بواسطة الـمـتـوهـج

نخرج على الدنيا بعد ألم ونستكين بعد صرخات ووجع
نعيش أيامنا على أرضها بالقهر ونموت فوقها على الفقر
يمتص الليل نور النهار لينشر سواده ووحشته في الأرض
تسد الصخرة العملاقة المنحدرة من الجبل الطريق الجميل
لتقطع آمال المسافرين وأماني المحبين ووصال المغتربين .
هذه فلسفة تركي وتلك بعض المقاطع من الحياة القاسية في نظره
تركي شاب في العشرين من عمره , أسمر اللون , طويل القامة
ضعيف البصر, الابتسامة تجمل منظره والتشاؤم يشتت تفكيره .
سأله صاحبه راشد ذات يوم عن سر تشاؤمه ونظرته السلبية للحياة
كيف تفسر الأشياء بمفردات عكسية سوداويه ليس لها صلة بالواقع
أجابه تركي الشقاوة هي السبب فالحياة تطارد سعادتي منذ نعومة أظفاري
احسب معي عدد الأشياء التي صارت لي وتغيرت في حياتي ومجتمعي
في يوم ولادتي توفيت أمي ,
وفي الإسبوع الذي سارت فيه خطواتي على الأرض
فقد والدي بصره ,
وفي الشهر الذي تعلمت فيه بالمدرسة نطق الحروف الأبجدية
انكسرت يدي ,
وفي السنة التي تعلمت السباحة فيها غرقت سفينة بركابها في البحر
قاطعه راشد أنا مثلك تماماً ولازلت متفائلاً احسب معي و أنصت كما كنت أفعل معك
في اليوم الذي عطست فيه طلّق ابن عمي زوجته ,
وفي الإسبوع الذي اشتريت فيه حذائي
دُهست قطة سوداء على الطريق الرئيسي من بيتنا ,
وفي الشهر الذي شربت فيه عصير ليمون
تمردت خادمتنا عن العمل وقضت وقتها في الفراش بين النوم والاسترخاء.
ملامح تركي تغيرت فالبشرة السمراء قد امتزجت بالحمرة
لم يعجبه أسلوب راشد وطريقته في الكلام وعدم جديته في الحديث
كانت بيده تفاحة حمراء وموزه صفراء أخذ تركي التفاحة
ورمى الموزة على راشد مع ابتسامة خبث وقال لا يأكل الموز إلا عشاقها .
رجع تركي للبيت وجلس مع زوجته , واطمئن على صحتها واستقرار حالتها
فزوجته حامل في الأشهر الأخيرة , وستضع المولود قريباً للمرة الأولى
الأمل نابع من ليلة زواجهم , يحلمون أن ينجبوا طفلاً يملأ البيت نوراً وسعادة
بحثت زوجته في الكتب المختصة عن أسماء المواليد وتركي بدوره يقلب المواقع
على الإنترنت , حتى عند قراءته الصحيفة اليومية أول شيء يفعله
يفتح صفحة واحة الأطفال يقلب صور الأطفال و يتفحص أسمائهم
ليجدد الأمل في داخله وينمي إحساس الأبوة في قلبه كل يوم .
في ليلة من الليالي وفي ساعة متأخرة من الليل استيقظ تركي
فزعاً بعد رؤيا في منامه , رأى أشياء مخيفة لم يستطع أن ينام بعدها
رغم محاولاته المتعددة في طرق النوم والمكان إلا أنها فشلت
ذهب لمكتبه الخاص في البيت , وجلس حائراً ويحلل ما رآه في المنام
أخذ ورقة صغيره وجدها على الطاولة وكتب عليها هذه الكلمات
أحبك يا أمل .. أحبك يا أمل .. أحبك يا أمل ..
أكتب هذه الكلمات وأرددها من قلبي
وكلي أمل أن أحملك وأضمك لصدري
والدك .
ترك الورقة على الطاولة وأغلق مكتبه وعاد لغرفته
أحس بالراحة بعد كتابة هذه الكلمات في الورقة الصغيرة
وكأنها كانت له كالمخدر في مفعولها السريع فنام بعدها .
قرروا أصدقاء تركي أن يذهبوا لرحلة جماعية لمدة اسبوع
وأن يقضوا وقتهم بين الصيد والتنقل بين الأماكن الجميلة
ذهب معهم وغادر البيت ولا يدري ما ينتظره و ما تخفيه الأقدار
خرج من البيت بعد أن ترك رسالة كتب حروفها من أعماق قلبه لأمل
تجولوا في الصحاري وانتقلوا بين الروابي وعبروا عند الهضاب الصخرية
وشاهدوا المناطق , كانت أشبه بالمغامرة الحقيقة لوجودهم في القطاع البعيدة
وبعد أربعة أيام من ذهابهم كان تركي في سيارة مع ثلاثة من أصدقائه
يطاردون بالسيارة حيواناً برياً أخذهم وقتاً طويلاً في اللحاق به
وابتعدوا عن الحدود بين السعودية والعراق ودخلوا ضمن أراضي العراق
وكان في وقت حكم صدام حسين الحاكم الذي يهابه الصديق قبل العدو
وظلوا في مطاردتهم وثبتوا على إصرارهم في الإمساك به وبلا مقدمات
سمعوا أصوات مكبرات وسيارات قادمة والصوت يرتفع شيئاً فشيئا
حتى تعثر الطريق أمامهم بوجود سيارات خاصة توقف سيرهم
طلبوا منهم عبر مكبرات الصوت بالنزول من السيارة , نزلوا الأصدقاء
أخذوهم معهم وأخذوا السيارة وغادروا بهم إلى مكان بعيد .
دخلوا سجن العراق بقضية الدخول المسلح لمناطق محظورة
وتجاوز الحدود والدخول للأراضي العراقية بشكل غير نظامي
جلسوا في السجن أيام بلا محاكمة أو النظر لهم والتعرف على قضيتهم
ضاقت بهم الأرض والهموم تزداد عليهم يوماً بعد يوم
وضعوهم في مكان مظلم بين جدران سوداء أربعة غير مبالين بهم
لا يأتي إليهم إلا صاحب الطعام يقدم لهم الوجبات ثم ينصرف بصمت .
زوجة تركي تعبت من الانتظار والسهر ودقات قلبها تزيد والتفكير أضعف جسدها
وهي في حالة من الاضطراب والقلق تعبت ودخلت المستشفى برفقة شقيقها
ورزقت بمولودة صغيرة كالقمر في تمامه حمدت الله وسألته أن يحفظ زوجها
عادت للبيت وبينما هي تنظف مكتبة تركي وجدت هذه الورقة على الطاولة
فتحتها وقرأتها وأعادت القراءة
هذا خط تركي وهذا القلم قلمه
أحبك يا أمل .. أحبك يا أمل .. أحبك يا أمل ..
أكتب هذه الكلمات وأرددها من قلبي
وكلي أمل أن أحملك وأضمك لصدري
والدك .
أخذت الورقة وطفلتها وضمتهم على صدرها وجلست تبكي
أين أنت يا زوجي ابنتك تناديك , كلنا بحاجتك ومشتاقين إليك
أرجوك أرجوك أرجوك عُد إلينا .
قررت أن تسمي الطفلة (أمل) كما كان يتمنى أبوها , وكلها أمل
أن يعود إليهم لتعود لها الحياة ويرى أن حلمهم قد تحقق على أرض الواقع .
مرت الأيام والشهور ولم يخرج تركي وبعد مرور سنه اتصل عليهم
وهاتف زوجته وكان البكاء هو حديثهم في أول مكالمة بعد الغياب
فرح تركي بعد أن علم أن الله رزقه بنت اسمها (أمل)
سقطت منه دموع الفرح شكراً لله على تحقيق هذا الحلم وسأله الفرج ,
وعرف أن زوجته علمت بإحساسه قبل المغادرة وأنها قرأت ما كتبه على الورقة.
جلس تركي في السجن يقلب ذكرياته ويحاكي نفسه ويعرض في مخليته
الأحداث التي تصير والتي يصيب فيها إحساسه رغم ملامة الناس له
جلس بين أربعة جدران لا أنيس غير الذكريات ولا مسلي غير الأمنيات
أكمل عامه الثاني وهو في السجن مع أصدقائه تحت سيطرة الظلم والعدوان
وبين فتره وفترة يتواصل مع زوجته عبر الهاتف ويأخذ أخبارها وأخبار أمل.
بعد عامين قضاهم في السجن بعد أن احترقت قلوبهم أسى بسبب الحبس
وتضايقت نفوسهم حرقة وصلهم الخبر بالإفراج والخروج من المكان الموحش.
في طريقهم إلى أهاليهم تركي لا يتحدث طول المسافة صامت لم ينطق بحرف
يفكر بزوجته وابنته أمل , كيف شكلها , ما وصفها , وكلامها وكل شيء عنها
كان يفكر فيها كثيراً حتى عن شكل لبسها وماذا تحب من الألعاب والثياب
وماذا تفضل في الأكل , فكره معلق في أمل
وجاء الأمل يا أمل
والدك قادم يحمله الشوق إليك
والدك قادم عصفه الحنين إليك
وصل عند باب البيت ومشاعره تتحرك بداخله , الأحاسيس تتأجج ,
لم يستطع أن يفتح الباب فشعوره مختلط بين الفرح والحزن والشوق والألم
كانوا على علم بقدومه وأعدوا حفلة كبيره له , طرق الباب وفتحوا له
دخل البيت والأطفال يركضون نحوه ويقولون بصوت واحد
عمي تركي جاء ؟ عمي تركي جاء ؟ عمي تركي جاء ؟
وقف أمامهم يحرك عيونه بسرعة وهو ينظر إليهم
يتأملهم أحس أن أمل من بينهم أحس ن قطعة من قلبه قريبه منه
رآها أمامه تنادي مع الأطفال وتصرخ بصوت عالي
عمي تركي جاء ؟ عمي تركي جاء ؟ عمي تركي جاء ؟
خطفها بقوه أخذها إليه احتضنها بعمق
أمل تحرك يديها تريد الخلاص ببراءة عمي عمي
تركي يقربها إليه والبكاء يخرج بصوت عالي
تعالي تعالي يا ابنتي
اتركيني مع رائحتك اتركيني مع براءتك
اتركيني فلقد حرموني منك حرموني لقياك
يضمها على صدره ولا يشعر بمن حوله
لم ينظر لأحد ولم يسلم على أحد ولم يقبل أحد
فلقد عانقت روحه روحها فتمازجت وتأججت
حنان الأب وولع الشوق وأنين المحروم .
وعاد إلى أسرته بفرح غامر وعادت حياته من جديد
وأشرقت دنيته وتغيرت نظريته للحياة.
مبدع ابوعمار
تعايشت القصة وكأني عاشرت احداثها
اسلوب مشوق يجعلك تعايش احداث القصة
مبدع ابوعمار
ومبطي عن ابداعاتك
ان شاء الله الصيفية مليئة بالابداعات
رسوب
ياهلا وغلااا
سعدت بمرورك العطر وردك الجميل
وان شاء الله بداية الجديد =)
حياك الله
ياااااااااااااااااااه
رائع رائع راااااااااااااااااااااااااااااااااااائع
أسلوبك مميز جداً
وكأني أرى لحظة لقاء تركي بابنته أمل
مُبكيه ،، متفائله ،، مليئه بالمعاني
دام وهجك (f)
يا عيني هذي من قلمك يا مبدع ..
الصراحه إبداااااااااااااااااااااااع
حلوة القصة والمشاعر الموجودة فيها ملياااااااانة
السرد والعبارات عشرة على عشرة ..
شكراً لقد استمتعت يا حلو
إبــــــداااااااااااااااااااااااااع ماشاء الله ..
رووووعة القصة ، وأقرب للواااقع ..
والأسلـوووب ممتع جدا جدا جدا ،،
سلــمت =)
الجااازي
ياهلابك خيتي نورتِ المدونه
الأروع مرورك ووضع تعليقك
سعدت برأيك وقراءتك
شكراً شكراً لك =)
عصام
مرحباً بك دكتور المدونين =)
ايه من قلمي يابعدي
الله يحلى أيامك ويخليك
تسلم على المرور عصوم
totoo
الإبداع عندك توتو
الله يجمل أيامك ويخليك
شكراً لك على مرورك
ياسر
لاأوصف لكَ سعادتي عِند قِرأتك َ
عيني سبقت داخلي بالقرأه ايهم يتلوك ويحضى بك اولاً !
تأخرتُ يومين وَكأني لِعمري فَقدتُ سنتين وَجدت الكثير
أحَاسيسَ مُختلفه .. أمل .. سعاده .. تفاؤل وإبتسامه أعتلتني
كلها أحتضرتها هاهنا
~.~.~.~.~.~.~.~
تَنقلتُ مابين إستعطافٍ لحال تركي .. وحَرقه لما حدث له
إلا شفقه وأملي بالعوده لإبنتهِ وأسرته بِسلامه
لاأحصر كم لبثت بين مفرادات أحرفك وأكوام الإحساس
ملكتنا من عالمنا وأبحرت بنا إلا عالمك لانعايش مانسجته
رقه الإحساس ودقه الوصف ألهبتنا وكأنها كتبت لجل كلاً منا
~.~.~.~.~.~.~.~
ولكَ مني أعظم الود وخالص امنياتي بالنجاح والتوفيق
وانا أراك الأمل الساكن بنا
دُمتَ ودام قلمك
~..احلام يقظه مرت من هنا
ما شاء الله تبارك الرحمن
المبدع يفرض نفسه
احلام يقظه
مرحباً بقلمك وبحروفك وبحضورك
تعليقك راق لي وقراءتك أسعدتني
مررت وعطرتي المكان بعطرك الزكي ^_^
حياك الله أحلام
صارخ بصمت
وانت فرضت نفسك ببصمتك
مرحباً بك
رغم كل مانكابده من عناء والم يبقى الامل سراج ينير دروبنا
رائعه القصه حقاً تعايشنا لحظاتها, وفقك الله أخي
رائع ومبدع
اخي ياسر اسلوبك له رونق خاص احببت اسم امل من اسلوبك
قصه رائعه
كل الشكر
تونا
الأروع مرورك وتعقيبك الجميل
سعدت بوجودك
حياك الله أختي
سوسو
الله يسعدك أختي
الجمال يكمل بمتابعتكم
شكراً لك سوسو
ما شاء الله المتوهج موجود هنا ..
مبدع ما شاء الله ..
واصل ..
أخ متوهج,,
لأحرف كلماتك سحر راقني كثيرا
قراءت جميع تدويناتك
ملاحظه بسيطه على القصة
أمل عندما عاد اليها والدها بعد عامين وطفله العامين لاتتحدث بطلاقه ^_^
اسمح لي بأقامتى الدائمه هنا
-
ألف شكر لك ولجمآل قلمك
دمُت بخير .
يبدو ان الاختصارات لا تعمل بشكل صحيح اخترت وردتين وبالاخير ظهر هكذا
فالمعذره وبشده .
رائعه مااشاءالله
نتطلع لجديدك
مآشآء الله
رآئعه جداً
أسلوب في غآية الروعه
بوركت أخي المتوهج
دمت ودآم قلمك المبدع ~
القصة رائعة والأسلوب السردي رائع
لكني أجد تناقض في التغير الذي حدث لتركي ( الشخصية الرئيسية في القصة ) فهو متشائم سوداوي
لكنه بعد ذلك يجعل الأمل رمزاً له ويسمي ابنته أمل !!
فهل كلن ذلك نتيجه طبيعية لتشائمه ويأسه
القصة عموماً معبرة وجميلة ولكن حاول أن تبتعد عن الأسلوب المباشر وركز على تصوير المشاعر والأحداث
دام لك الألق متوهجاً أيها المتوهج
جَميل جِداً
شُكراً لكَ خيي
الفيسآت طلعت معاي بالغلط